1

Google

‏إظهار الرسائل ذات التسميات لغتنا السودانية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات لغتنا السودانية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 17 أبريل 2010

دُعَا الحبوبات (1)


الدُعَا بضم الدال وفتح العين مع القَصْر يعني في الغالب الدعاء على شخص وهو مشتق من الفعل الدارجي "يدَعِّي". ويتنوع الدعا عند الحبوبات بتنوع المواقف الداعية إليه وهو فن برعت فيه الكثير من الحبوبات قبل أن يدخل التلفاز بيوتنا ويسلبنا جزءً حميماً من مفرداتنا ويستبدلها بعبارات من أمثال "يبعت لك حمى" أو "جاتك نيلة". وعند سماع مثل هذا الدعا قد يتصور الإنسان أن الحبوبة تتصف بالقسوة والغلظة إلا أن ذلك سيكون فهماً خاطئاً للحبوبة. فالحبوبة ظلت على مرِّ الأجيال أكثر أفراد الأسرة حناناً ودرسنا ذلك في قصيدة في المرحلة الابتدائية يقول الشاعر في مطلعها:

لي جدةٌ ترأف بي أحن على من أبي
ولذلك فإن دعا الحبوبة يكون هدفه الزجر والتوبيخ أو لرد بعض الأطفال الذين يحاولون الاعتداء على مجالها الشخصي الذي يتكون في الغالب من العنقريب والسحّارة أكثر من كونه طلباً لنزول الدعاء على المدعو عليه. وقد قلت أنه فن لأنه يتسم بسمتين أساسيتين هما: السجع والمفارقة. 
وبالنسبة للسجع فقد يقع بين الكلمات المكونة للدعا مثل "الصاقعة الشمشاْ فاقعة ومويتاْ ناقعة" أو قد يكون بين العبارات المكونة للدعا مثل "يدِّيك الكود ووجع اللغود" أو "تجيك الطاوية حبالاْ وشايلة الموت في عْقالاْ". 
أما المفارقة فإنها عنصر هام في دعا الحبوبات ونجدها في الكثير منه مثل "نار أم شلوة الأكلت الفكي وخلَّت الخلوة" وهي تضفي نكهة خاصة على الدعا وتجعله أقرب إلى أفلام الفنتازيا وإلا فكيف يُتصوَّر أن تشب نار فتأكل الفكي دون الخلوة التي يتعبد فيها. أو مثل "يديك عذاب ديك الحِضُوري البكشِّنو فيْ ويعوعِي" فأيُّ تعذيبٍ أشد من أن يُطبخ وهو حيٌ يصيح. ويكون الدعا في الغالب مربوطاً بكلمة قالها المدعو عليه فمثلاً دعا "يديك الكود ووجع اللغود" يمكن أن يكون رداً على طلب مثل "حبوبة أديني من اللالوب الفي سحارتك" وقد ترد الحبوبة بهذا الدعا تنفيساً عن غيظها عند اكتشافها معرفة ذلك الطفل المشاغب بوجود لالوب في سحارتها وهي التي كانت تظن أن لا أحد يعلم ما في جوف ذلك الصندوق ذي القوائم الأربع والباب الذي يُفتح من أعلى. وقد يأتي أحد أحفاد الحبوبة باكياً ليقول لها "صقعني عثمان بي حجر" فترد الحبوبة مباشرةً "وصاقعك في شنو؟ أريتو بالصاقعة الشمشاْ فاقعة ومويتاْ ناقعة". وقد تتشاجر بعض حفيدات الحبوبة فيتصايحن ويقطعن عليها غفوةً حالمةً فتصيح فيهن فتقول واحدة "لكن يا حبوبة، نفيسة قرصتني" فترد الحبوبة "يا نفيسة يا بتي ما تهجصي، بتقرِّصي مالك، يقرصك أب قرص اليٍعدِّمك الضرس".
برجع كان بقيت حي ،،،

الجمعة، 1 يناير 2010

المكرَّب ...

قرأت رسالة أخينا المغيرة التي فرودها لي (من forward) الأستاذ محمد حسن خضر وهي رسالة ثرةٌ بالاستطراد المحبوب الذي يبدو أن أخانا المغيرة له فيه باع جدُّ طويل. وقد أورد الأخ المغيرة في مقدمة الرسالة اسم"المكرّب"، ولعل ذلك لقب شائع للأستاذ محمد حسن بين حفنة من خاصته، فلا علم لي به، لكن الكلمة استوقفتني فحرنتُ عندها "حرنة مكادي" وحرنة المكادي يعلمها الإخوة فهو إن حرن لا يتزحزح إلا أن تنسفه نسفاً بالديناميت وهذا المعنى أفضل عندي من قول الشاعر "بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه" ولو أنه قال "بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها وقوف مكادي ألهب السوطُ غاربه" لكان أجود عندي. والحرنة من سمات المكادي إذ أن الريفاوي الحُر لا يحرن.

إن كلمة "مكرب" كلمة متشعبة المعاني والاشتقاقات. فكلمة كَرَبَ تستخدم بمعنى "شد الشيء وربطه وحزمه" فتقول للفتي آمراً "أكرب الشوال سمح ما يتدفّق الدقيق" أي شدّ الرباط عليه، وتقول للصبي "يا ولد ما تنكرب" أي أسرع أو اجتهد وتقول داعياً على شخصٍ أثار حنقك "يكربك الحبن" أي يشتد عليك الحبن فيقطع نفسك (والحبن هو الخّراج أو الكيس الدهني). وتقول لمن وضع السرج على دابته "أكرب اللبّاب قوي مايقع بيك السرج"، واللباب هو شريط في الغالب من الجلد يشد به السرج إلى بطن الدابة ويكون بين السرج والبردعة وهو ما يعرف في العربية باسم "اللبب" حيث قال الحجاج في خطبته الشهيرة "ومن استرخى لببه ساء أدبه"، ويقابل اللباب "الضناب" وهو الحبل الذي يُشدّ به السرج إلى ذيل الدابة. وإذا ارتخى اللباب تأرجح السرج يمنةً ويسرةً وإذا ارتخى الضناب تحرك السرج أماماً وخلفاً وكلاهما أمر خطر على الراكب.

ومن اشتقاقات هذا الجذر تحضرني كلمة "الكَرّاب" وهو جزء من العنقريب تكون حباله سداةً دون لحمة ويستخدم في شد العنقريب إذا ما ارتخى. ويختص بالكراب عنقريب الحبل دون عنقريب القِد حيث أن عنقريب القِد لا كراب له وإذا ارتخى يوضع تحت الشمس فتشده الحرارة مثلما تشد الحكّامةُ دلوكتها أو شتمها بتعريضه للنار والجلد عموماً تشده النار!

والكرَبَة أعرف لها معنيين. فالكربة تعني الهضبة أو المكان المرتفع قليلاً وتجمع على "كَرَبْ" وهو عكس الأرض المستوية وتسمى مسايل الماء بينها "خيران". والكريبة قرية سودانية معروفة ولعلها تقوم على أو بجوار تلة صغيرة. أما الكربة الأخرى فهي حشرة أظنها من العنكبوتيات إذ أنها تشبه العنكبوت كثيراً وهي صفراء اللون ذات زغب ولها كلابات في مقدم رأسها وأكثر ما كنت أراها في بداية فصل الخريف حيث كنا نأخذ الماء من الأماكن المنخفضة بعلب الصلصة ونصبه في شقوق الأرض فتخرج الكربة مذعورة فنجري نحن مذعورين أكثر منها. والسيارة المتهالكة يقال لها تهكماً "كربة" و"هكرة" و "قرمبعة". والكربة أيضاً سيارة كانت تستخدمها إدارة وقاية النباتات في رش الجمكسين (أو الجبكسين) وربما سميت كربة لقدرتها على التعامل مع المناطق الوعرة وتسلق المرتفعات.

و"الكُرُبّات" هي الكنجالات أو الضحاكات أو الشِرْتِيت وتعني عند الشماشة ومن غزل غزلهم "القروش". وقد تخصص كلمة الكُربات لما يتبقى من القروش فإن أرسلت إبنك إلى الدكان وأعطيته ألفاً ليبيع غرضاً بتسعمئة وخمسين ولم يرد لك الباقي فيكون "عمل كربات خمسين" ولعله ابتاع بها سجارةً برنجية.

وإذا قلت "كرْبَتَ الجمل" فإنه سار خبباً ويسمى هذا المشي "كربتة وكربتيت" ومن ذلك قول الشاعر يصف بؤس حاله:

يوماً كربتيت ويوماً عشانا ربيت
ويوماً نكضم التابا وعليها نبيت

والتابا هي التمباك أو السعوط أو ودعماري لمن لا يعلمون. أما الربيت فهو اللحم يُنضَج في شحم الذبيحة الذي يستخرج منه الودك فيكون اللحم أقرب إلى الصلابة (مقرمشاً بلغة العصر) مثل ما يتبقى في قعر الصاج في أمسية يوم من أيام عيد الأضحى. وقد خبرت الربيت كثيراً إذ أن والدي، وسّده الله الباردة، كان جزاراً فكنا نأتي بشحم الضأن ونذيبه بالنار في البيت ليصير ودكاً نبيعه وكانت قطع اللحم الصغيرة العالقة في الشحم تخرج في نهاية المطاف ربيتاً نشتجر عليه مثل الجراء رغم كثرة غيره من اللحم.

أما كلمة "كرْبَنَ" فهي تعني أغضب والصفة منها "مكربَن" أي غاضب أو مغتاظ، فإذا قلت "الولد دة كربنِّي" فمعني ذلك أنه أغضبك غضباً شديداً. ولعل الكلمة مشتقة من الكربون الذي يتراكم في كربريتر السيارة فيتدهور حالها ويصعب التفاهم معها.

وأنا بعد يا أخي مغيرة أدهشتني قدرتك على احتلاب ضرع اللغة واستخراج الحليب منه ثم تحويله إلى زبادي وقشطة ولبنة وحليب كامل وخفيف الدسم، بارك الله لك وفيك وآمل أن نلتقي.