1

Google

‏إظهار الرسائل ذات التسميات ود الحليو .... إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ود الحليو .... إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 4 أبريل 2016

الأستاذ / سراج الدين الجزولي

سراج الدين الجزولي
.
ما ذكر أساتذة المرحلة الابتدائية إلا وتبادر إلى ذهني الأستاذ الجليل سراج الدين الجزولي مدير مدرسة ود الحليو الابتدائية في مطلع السبعينيات والتي تم تغيير اسمها لاحقاً إلى مدرسة أبي بكر الصديق.
سراج الدين الجزولي من مدينة بورتسودان رجل طويل القامة، أسمر الإهاب تزين مقدم رأسه صلعة تصبغ وجهه بنوع من الوقار المحبوب.
دخلت إلى الصف الأول من المرحلة الابتدائية وأنا بين التهيب والتلهف إلى عالم المدرسة فوجدت الأستاذ سراج الدين الجزولي مديراً للمدرسة. كانت هنالك صالة تتوسط الفصول وتفتح على هذه الصالة مكاتب المعلمين وإذا دخلت من الجهة الشمالية فإن مكتب الأستاذ سراج الدين يكون الأول على يدك اليمنى.
كان الأستاذ سراج الدين معلماً من الناحيتين الأكاديمية والسلوكية فقد وصل إلينا مديراً وقد تراكمت لديه الخبرات في التعامل مع التلاميذ وصار منهجه في معاملتهم أنهم أبناؤه مع اختلاف مشاربهم وجهات قدومهم حيث كانت مدرسة ود الحليو تجمع الكثير من أبناء القرى المجاورة مختلفي الثقافات والأعراق والمستويات المعيشية.
وعلى قلة تدريسه لنا إلا أن الأستاذ سراج الدين كانت له الكثير من الإشراقات في حياتنا المدرسية التي كانت تتضمن الكثير من الأنشطة اللاصفية فكانت الجمعية الأدبية والبحث عن الكنز والاحتفالات السنوية وغيرها الكثير.
في ذلك العهد كانت تأتي إلى السودان المعونة الأمريكية للمدارس والمكونة في الغالب من الساردين وبدرة الحليب (لبن الجاموس) فكانت تقدم لنا وجبة إفطار في المدرسة مكونة من ساندوتش من الجبنة أو الساردين مع كوب من الحليب. كان الأستاذ سراج الدين في بداية العام يقف أمام الطابور وينادي "اللي ما بياكلش ساردين يمشي يمين" وكنا نستغرب من هذه اللغة.
كان الاستاذ سراج الدين رجلاً أنيقاً يهتم بهندامه فكان لا يُرى إلا وبنطاله مكوي وجزمته لامعة ورائحته طيبة.
كان للأستاذ سراج الدين من الأبناء محمد وأمين وسامي على ما أذكر.
التحية للأستاذ سراج الدين الجزولي ولكل أساتذتي الذين علموني ولو حرفاً واحداً ،،،

الأربعاء، 13 يناير 2010

هبوط إضطراري


تَسَاءَلْتُ بيني وبين نفسي ما الذي أتى بهذا الخواجة إلى هذه البقعة من العالم؟ ما ضره لو أنه بقي في دياره فمات هنالك بدلاً عن أن يموت في أرض لا يربطه بها رابط؟ ثم ما الذي دفعني إلى الإصرار عليه للحضور معي؟ وهل أكون قد تسببت في موته إن هوت هذه الطائرة؟ دارت في رأسي تلك الخواطر عندما ارتجت الطائرة واهتزت اهتزازا عنيفاً دون أن تكون لدينا أدنى فكرة عما يحدث فظن الكثيرون وأنا منهم أنها ستسقط وسنتحول إلى عنوان كبير في الصحف المحلية تسبقه الآية المعروفة من سورة البقرة.


كنت آنئذٍ أعمل في منظمة دولية تعنى بالشئون الثقافية وكنت كثير الترحال رغم أن مقر عملي كان في نيويورك. وكان هذا الأمريكي، جيرالد، زميلي في العمل وربطتني به صداقة فيها عمق إذ لمست فيه ما شدني إليه من شهامة وصدق وقدرة فائقة على تقبل الحقيقة حتى لو كانت تضرب مصلحته في الصميم.

كنت عندما يستبد بي الحنين إلى موطني ومسقط رأسي أروِّح عن نفسي بالحديث عن دياري وأهلي وكان جيرالد يبدي شغفاً غير مفتعل للاستماع إلى ما أقوله وكان في كثير من الأحيان يشير إلى رغبته في زيارة تلك المناطق مشيراً بلباقة إلى أنني قد شوّقته بتلك الحكايات لرؤية ذلك الجزء من العالم. كنت أحدثه عن تلك البلاد، كيف كانت في يوم من الأيام وكيف صارت وأحكي له عن التفاصيل الدقيقة لحياة الناس، أعمالهم وأنشطتهم الاجتماعية وقد كان شغوفاً بتلك التفاصيل وغالباً ما يستزيدني بالسؤال عن أشياء معينة في حياة الناس هناك.

عندما عزمت على التمتع بإجازتي طرحت على جيرالد فكرة أن يأتي معي واعتذر الرجل لكنني أحسست أن اعتذاره مدفوع برغبته في ألا يضايقني أو يثقل علي ولذلك فعلت كل ما بوسعي كي أقنعه أنني سأكون مسروراً لو أنه صحبني في هذه الإجازة وأنها ستكون فرصةً له ليرى جزءاً من العالم لم يره من قبل.

عندما ارتجت الطائرة لم نفهم ما حدث لعدة دقائق كانت أشبه بدهر. لم أتعود في جميع رحلاتي أن يحدث مثل هذا الاهتزاز دون أن يليه توضيح فوري من قمرة القيادة مطمئناً المسافرين على متن الرحلة. بعد تلك الدقائق الطويلة جاء صوت الطيار من مكبرات الصوت "نود أن نطمئن السادة المسافرين بأن ما حدث سببه الظروف الجوية السيئة وسوف نضطر للهبوط في مطار عَبُّودة الإقليمي". التفتَ إلى جيرالد سائلاً عن مطار عبُّودة وكان ذلك طبعه في استدراجي إلى الحديث فتواردت إلى ذهني العديد من الصور.

قلت لجيرالد أن عبودة كانت في يوم من الأيام قرية صغيرة بها مدرسة وشفخانة مبنيتان بالطوب والأسمنت وما عدا ذلك فإن جميع مبانيها من القش. تقع عبودة على الطريق المار من الشواك إلى ودالحليو وتمثل محطة هامة على ذلك الطريق البري غير المسفلت تقف عندها اللوريات المحملة بالركاب والبضائع للتفريغ والتحميل. كانت تلك اللوريات تحمل ما لا يخطر على بال فتجد فيها البشر والأغنام والدجاج وجوالات الذرة والسكر والبن وكراتين البضائع المختلفة والحطب ومواد البناء مثل ألواح الزنك وأكياس الأسمنت وغير ذلك. ويقع في المنطقة المحيطة بعبودة عدد من القرى مثل "أم علي" و "مَيْلَقا" و "كُبُّو قُرْمُو" التي تعتبر عبودة مركزا لها.

كان ذلك منذ زمن ليس ببعيد. أما الآن فإن هذه الصورة أصبحت من الماضي الغابر وتغيرت المنطقة بحيث أنّ من لم يكن يعرفها من قبل لا يمكن له أن يتخيل صورتها مهما كانت قدرة الراوي على التصوير.

عند إكتشاف المخزون الضخم من البوكسيت (خام الألمونيوم) في ذلك الجزء من البلاد دبت الحركة في المنطقة مثل مريض تعافى فجأة بمعجزة. تغير وجه الأرض وتغيرت حياة الناس وتغير كل شيء. اختفت تلك اللوريات المتهالكة وحلت محلها الشاحنات العملاقة والثلاجات المتحركة وخطوط السكة الحديد التي تنقل كميات كبيرة من البضائع. انتشرت شبكة الطرق المسفلتة وغطت المنطقة منهيةً بذلك عهداً كان فيه السفر جهنم نفسها وليس قطعة منها.

كان الطريق الترابي الممتد من الشواك إلى ودالحليو رحلةً من العذاب في كل الفصول. في الصيف كان الطريق مترباً يثور فيه الغبار مع حركة السيارات وتشعر أن السيارة تقفز على الطريق بسبب الحفر الكثيرة وتتمايل بسبب عدم استواء الطريق في معظم أجزائه فيتأرجح الركاب داخل صندوق اللوري وهم متمسكون بالحديد الحامي. وتفعل الشمس فعلها بأشعتها الحارقة التي تسلطها على ركاب اللوري المكشوف فيتصبب العرق وتزيد عصبية الناس وقابليتهم للشجار.

أما في الخريف فإن الحال يختلف مع تلك التربة الطينية (البادوبة) التي تتميز بها المنطقة حيث أن الطريق يتعرج بسبب مياه الأمطار التي تسده في بعض المواضع وتجعل السير فيه مستحيلاً. وفي مثل هذا الوقت فإن الطريق ينحرف بعد قرية عبودة ليدخل في منطقة تغلب عليها المرتفعات المنخفضة (الكَرَب) وتربتها تسمى (العزَازة) مما يجعل حركة اللوري أشبه بحركة مركب في بحر متلاطم الأمواج. وعندما يتعرج الطريق يخرج عن مساره مما يجعله يمر بين أشجار الكِتِرْ والطلح التي تُعمِل أغصانها الشائكة في ملابس الركاب وجلودهم. وفي كثير من الأحيان يتعذر على اللوري الاستمرار في التعامل مع الطريق فيضطر الركاب إلى النزول أو حتى إلى تخفيف حمولة اللوري.

ومع تغير مسار الطريق يفقد بعض الركاب ميزة مرور اللوري بقراهم فيضطرون إلى النزول في مواضع بعيدة لتكملة ما تبقى من الرحلة، طال أو قَصُر، سيراً على الأقدام.

كان جيرالد يستمع باهتمام بالغ وكانت الطائرة في هذه اللحظة قد بدأت تدور كأنها عائدة من حيث أتت. نظر جيرالد من النافذة الصغيرة فرأي خلال الغبش الناتج عن الغبار أضواءاً وأبنيةً لا تبدو مثل بقية المباني في المنطقة فبادرني بالسؤال عن تلك المباني. نظرت من النافذة وابتسمت وأجبته أن هذا "مجمع ميلقا للصناعات الكيماوية".

مرت إحدى المضيفات بجانبي فسألتها لماذا دارت الطائرة تلك الدورة فأجابت بأننا قد تجاوزنا مطار عبودة بسبب ارتفاع الطائرة ولذلك دارت الطائرة للعودة إلى المطار والهبوط بعد تخفيض ارتفاعها تدريجياً.

قلت محدثاً جيرالد أن ميلقا، تلك القرية التي كانت نسياً منسياً تغيرت كلياً. فقد كانت ميلقا في يوم من الأيام عددا من البيوت البائسة التي لا تتجاوز قبضة اليد وتفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الإنسانية. لم تكن هنالك عيادة وإنما كان هنالك ممرض غير مرخص يمر على المنطقة بين الفينة والأخرى يحمل شنطة بلاستيكية مهترئة مليئة بأدوية مثل حبوب وحقن الكلوروكين للملاريا وبعض المراهم للجروح يبيعها بأسعار خيالية. ولم تكن هنالك مدرسة ومن رغب في التعليم فعليه أن ينتقل إلى عبودة بما يتضمنه ذلك من مشاق عدة. أما اللواري المسافرة من وإلى ودالحليو فلا تمر بميلقا إلا لماماً.

بدأت الطائرة في الهبوط وعندما نظرت من النافذة بدت لي أضواء مدرج المطار باهتة في عتمة الغبار أما أضواء مدينة عبودة فقد كانت مثل الجمر الذي تغطيه طبقة خفيفة من الرماد فيتوهج في بعض المواضع ويخبو في أخرى.

هذا هو مطار عبودة الإقليمي الذي يقوم على مساحة شاسعة من الأرض تغطيها أقسامه المختلفة التي تشمل صالات القدوم والمغادرة والصالات الخاصة وخدمات الشحن الجوي والمجمعات السكنية لموظفي المطار. عندما هبطنا في المطار أعلنت المضيفة عبر مكبر الصوت أنه غير مسموح للركاب بمغادرة المطار حيث أن الرحلة يمكن أن تقلع في أي لحظة إذا ما تحسنت الظروف الجوية.

سألني جيرالد عن المسافة المتبقية للوصول إلى ودالحليو فقلت له أن المسافة قريبة جداً فنظر إلي وابتسم ثم أردف باقتراح أن نكمل ما تبقى من الرحلة عن طريق أيٍ من وسائل السفر البرية. راقت لي الفكرة خصوصاً وأن هنالك أكثر من خيار منها القطار العادي والقطار الإكسبرس الكهربائي والبصات العادية إضافةً إلى سيارات الأجرة الخاصة. وعندما طرحت عليه تلك الخيارات قال لي أنه يفضل سيارات الأجرة الخاصة حيث أنها تتيح له مشاهدة ما حوله بحرّية إضافةً إلى إمكانية التوقف في أي لحظة.

أكملنا إجراءات تخلفنا عن الرحلة بسرعة حيث أن ذلك الإجراء بسيط للغاية كما أن الموظف المسئول عن ذلك كان متعاوناً جداً وقد عرفت من الكلمات القليلة التي تبادلتها معه أنه من أبناء مدينة عبودة.

استأجرنا سيارة مريحة واسعة وبدأنا رحلتنا التي لا تزيد على ثلث الساعة وطلبنا من السائق أن لا يسرع كثيراً حيث أننا نرغب في رؤية معالم الطريق واستكشافه.

عندما خرجت السيارة من مدينة عبودة كان جيرالد صامتاً ولعله عاد بخياله إلى نيويورك، مما أعطاني فرصةً للانغماس في سيل من الذكريات. مرت السيارة بخور صغير فتذكرت أنني كنت مسافراً يوماً على متن لوري من نوع انقرض اسمه (التيبر). وكان صاحبه يوسف أبو حِجِل من أبناء الشواك. كنت عائداً من الشواك التي كنت أدرس في مدرستها المتوسطة. وقد كان المطر غزيراً في ذلك الموسم وعندما وصلنا هذا الخور انغرزت إطارات اللوري في الوحل وتعذر خروجه رغم المناورات المتعددة التي قام بها السائق. وأخيراً هبط السائق وطلب من الركاب النزول لتخفيف الحمولة ومساعدته في جلب بعض أغصان الأشجار الجافة لوضعها تحت الإطارات.

عندما أشرفنا على ودالحليو التفتَ إلىّ جيرالد وفي عينيه نظرة معتذرة عن مقاطعته لأفكاري وسألني عن مبني يقوم على منطقة مرتفعة في أقصى غرب مدينة ودالحليو وفيه عدد من الأبراج العالية والأطباق الكبيرة. نظرت في الاتجاه الذي أشار إليه وقلت له أن هذا المبنى هو محطة دار الحِلّة للأقمار الصناعية.

وأوضحت لجيرالد أن دار الحلة هي الموقع الأصلي لقرية ودالحليو حيث تأسست هناك على منطقة مرتفعة ويبدو أن مؤسسيها رأوا في ما بعد أن الموقع ليس به مساحة مسطحة كافية لتَوسُّع القرية فانتقلوا إلى الموقع الذي تقوم عليه مدينة ودالحليو الحالية. وظلت دار الحلة مع ذلك مأهولة بعدد قليل من السكان لم يَرُقْ لهم أمر الإنتقال إلى الموقع الجديد.

وبعد إزدهار المنطقة تمت تسوية مساحة واسعة من موقع دار الحلة وأُنشأت فيها محطة الأقمار الصناعية وتطورت المنطقة واتسعت حتى التحمت مع مدينة ودالحليو وأصبحت جزءاً منها فعاد الفرع إلى أصله.

وصلت بنا السيارة إلى الميناء البري لمدينة ودالحليو الذي يمثل تجمعاً لكل وسائل النقل البري ويقع عند مدخل المدينة من الناحية الشمالية وحملتنا سيارة أجرة صغيرة إلى فندق باسلام في وسط المدينة حيث قمنا بالحجز لديهم عن طريق الإنترنت من مطار مدينة عبودة. كان الجناح الذي نزلنا فيه في الفندق مريحاً وكان ذلك أمراً متوقعاً إذ أن شركة ودالعاقب للفندقة وخدمات الضيافة وهي الشركة الماللكة للفندق، تتمتع بموارد ضخمة وإدارة متميزة مما جعل الفندق يقفز خلال عشرة أعوام من تأسيسه إلى مصاف سلاسل الفنادق العالمية فئة الخمس نجوم وأثبت وجوده في عدد من كبريات المدن في العالم. سألت جيرالد عما إذا كانت لديه الرغبة ليبدأ جولته في المدينة هذا المساء فقال أنه متشوق إلى ذلك لكنه لن يفعل ويفضل أن يرتاح في ما تبقى من هذا الليل ووافق ذلك هوىً في نفسي إذ أنني كنت أشعر ببعض التعب فدخلت غرفتي وأخذت حماماً بارداً وغرقت في نوم عميق.

عندما استيقظ جيرالد في الصباح وجدني جالساً أمام التلفاز أشاهد البرامج التي تبثها قناة ودالحليو السياحية وقد أعجب جيرالد كثيراً بتلك البرامج وجودة تصميمها مما حفزه أكثر على زيارة الكثير من المواقع التي شاهدناها على الشاشة. تناولنا إفطاراً خفيفاً ونزلنا لنأخذ السيارة التي استأجرناها من شركة أبو صلاح لتأجير السيارات. لم يكن وسط المدينة مزدحماً بالسيارات مما أثار استغراب جيرالد فأوضحت له أن شبكة الطرق والجسور في هذه المدينة تم تصميمها بواسطة أكبر شركة عالمية متخصصة في هذا المجال واضعةً في الاعتبار توفير العديد من المسارات الرئيسية والجانبية التي تجنب المنطقة الاختناقات المرورية. وتساهم شبكة قطار الأنفاق الحديثة التي تغطي المدينة بكاملها في تخفيف الضغط على الطرق.

أخذْنا الطريق الدائري قاصدين جنوب غرب المدينة حتى وصلنا إلى خزان برناوي وهو سد ضخم أقيم في هذا الموقع لتوليد الطاقة الكهربائية من مياه نهر سيتيت ولتوفير المياه للري ويقابله سد آخر على نهر عطبرة. وتستخدم مياه السدين معاً لري المنطقة الواقعة بين النهرين والتي تحولت إلى مزرعة كبيرة لأشجار السنط تملكها شركة حسين العالمية للأدوية والمستحضرات الطبية والتي تستخدم إنتاج هذه الأشجار من القرض في إنتاج العديد من أنواع الأدوية. وقد ازدهرت أعمال هذه الشركة مع زيادة الوعي بأضرار الأدوية الكيماوية والتوجه نحو استخدام الأدوية المصنّعة من المواد الطبيعية مثل القرض والكركدي والسنامكّة والحرجل.

توقفنا عند مدخل السد حيث كان هنالك عدد من الكافتيريات على جانبي الجسر واقترحت على جيرالد أن نتناول مشروباً فوافق على ذلك. دخلنا إحدى الكافتيريات وجلسنا على إحدى الطاولات. كانت أرضية الكافتيريا من الزجاج المقوى بحيث تسمح للجالس بمشاهدة ماء النهر الذي يتدفق بعنف تحت الكافتيريا مثيراً كمية من الزبد. طلبت فنجاناً من القهوة وطلب جيرالد عصير الجوافة الطازج.

وعلى صوت خرير المياه حدثت جيرالد أن خزان برناوي أخذ اسمه من قرية صغيرة تقع على الضفة الأخرى من النهر. كان موقع الخزان قبل الطفرة الاقتصادية عبارة عن مُشْرَع يعبر منه الناس النهر. في الصيف يكون النهر شبه جاف فيعبره الناس على أقدامهم أما في فصل الأمطار حيث يفيض النهر فتستخدم المراكب التقليدية ذات المجدافين في عبور النهر والتي تحمل الناس وأمتعتهم وماشيتهم.

يونيو 2006م

الخميس، 31 ديسمبر 2009

ود الحليو مرةً أخرى ...

ود الحليو مرةً أخرى: نحاس العمدة وحبوبة قماشة والمدرسة ،،،،
1. نحاس العمدة.
النحاس عبارة عن طبل. والطبل معروف في الثقافة الأفريقية فهو يستخدم كوسيلة اتصال وكإيقاع للرقص تعبيراً عن الفرح وعن الحزن. وما النقارة والدلوكة والشَتم إلا أنواع من الطبول اختلفت أسماؤها ربما لاختلاف أشكالها أو لاختلاف الثقافات التي نشأت فيها. وقد جاءت تسمية النحاس من كونه إناءاً ضخماً من معدن النحاس شبيه بالقِدْرمغطي من أعلى بالجلد.

وقد ارتبط النحاس تاريخياً بالحرب والقتال والشجاعة والثبات أمام الأعداء وتفخر قبائل كثيرة بالنحاس الخاص بزعمائها والذي يضرب استنفاراً للرجال إلى غارة أو صد غارة أو يضرب لتبليغ خبر وفاة مثلاً. وقد كان أبلغ الذل أن تغير قبيلة على أخرى فتسلبها نحاسها.

ولهذا السبب فإن هنالك الكثير من الأساطير التي تروى عن نحاس قبيلة أو أخرى مثل أن تحكي قبيلة أن زعيمها كان يسير ليلاً فقابله جنّي فقاتله وهزمه فأهداه الجنّي ذلك النحاس. وينطبق نفس القول على السيوف التي كثيراً ما نسمع في رواياتها عن سيف الصاقعة وهو سيف يقال أن حديده يهبط من السماء مع الصاعقة ويقوم الرجل الشجاع المقدام بالحفر في مكان الصاقعة ليستخرج ذلك الحديد فيصنع منه سيفاً بتاراً. وقد ورد ذلك في الغناء الشعبي حيث قال الشاعر أو الشاعرة:

سيف الصاقعة ولدي الما بدور سَنّة

نحاس العمدة على عُوَض عجيل لم يخرج عن هذا الإطار. وعندما نشأنا نحن لم تكن هنالك غارات ولا حروب ولكن النحاس كان يضرب في مناسبات الفرح والحزن فيبكي كبار السن ربما بسبب المناسبة نفسها أو ربما أنهم يتذكرون أياماً خلت كانت فيها نقرة النحاس مختلفة تماماً عن ما يعيشونه في تلك اللحظة إذ قد تذكّرهم بصولات كانت لهم في غابر الأيام.

وأكثر ما أذكره عن نحاس العمدة أنه كان يضربه العم حسن عمر وهو رجل نحيف تراه يحمل في كلتا يديه عصاتين رفيعتين يضرب بهما على النحاس فيَصدُر الصوتُ عميقاً وأقوى مما تصور فلا تسمعه في أذنيك وإنما تسمعه داخل قفصك الصدري. وقد حدثني أحد أبناء قبيلة الحُمران لا أذكر من هو وكنا صِبْيَةً، أن النحاس عندما يُضرب فإنه يقول "بَدُور الدّم ، بَدُور الدّم" أي أنه ينادي الرجال لكي يحملوا سيوفهم ويريقوا دماء الأعداء.

2. حبوبة قماشة.
حبوبة قماشة امرأةٌ بجاوية سوداء الإهاب ناحلة الجسم تحمل في يدها اليمنى عصا رفيعة تتوكأ عليها دون أن تهش بها على غنم إذ لم تكن لديها غنم لكن العصا هي ساقها الثالثة حيث أنها كانت متقدمة في العمر. وقد كانت ثياب حبوبة قماشة دائما داكنة مائلة إلى اللون الأخضر الزيتي.


حبوبة قماشة كانت تعمل مشاطة تطلبها النساء لتمشيط شعورهن لقاء أجر غير ثابت في معظم الأحوال فيتباين حسب حالة الزبون أو أنه كما يقولون "عطِيّة مزيِّن". بالطبع لا يتم الطلب عن طريق الهاتف أو ما شابه بل كانت الرسالة تنتقل إلى حبوبة قماشة عبر النساء من مكان إلى مكان حتى تصل إليها في مسكنها في الجهة الغربية من القرية أو أن تسمع المرأة الراغبة في المشاط أن حبوبة قماشة عند فلانة فترسل أحد أطفالها لينقل تلك المعلومة إلى حبوبة قماشة.

وعندما تصل حبوبة قماشة من مشوارها الطويل المرهق لامرأة في سنها وبعد أن تشرب الماء البارد من الزير تشرع صاحبة البيت الراغبة في المشاط في تجهيز أدوات الشغل وأولها عدة القهوة حيث أن حبوبة قماشة بجاوية ولا ترى خيراً في عمل لا تشم في مبتدئه رائحة القلوة (رائحة البن المقلي). وتشمل أدوات القهوة؛ الجبنة الفخارية اللامعة والوقاية التي توضع عليها وهي أشبه بالطوق وتكون مزينة في العادة بالخرز الملون، ثم خرقة مشربة بالزيت تمسح بها الجبنة لتنظيفها مما يعلق بها من الرماد، ثم قلاية البن المصنوعة من الصفيح ثم البكرج (الشرقرق) والمنقد (الكانون) والمَدَق (الهون) والليفة المستخرجة من النخل. أما أدوات المشاط فهي المخرز والكَدَابة (والمخرز قطعة سلك حادة النهاية تشبه إبرةً سميكة مغروزة في قطعة عود تمثل يداً لها ويستخدم في تقسيم الشعر إلى حزم ليتم تمشيطه - وقد كان أحد أصدقائي نحيفاً فكانوا يسمونه مخرز وقد كان يغضب إذا ما نودي بذلك الاسم فيتلفظ - أما الكدابة بفتح الكاف والدال فهي نوع معين من الصمغ يكون مبلولاً في ماء ويشبه في عصرنا الحالي مثبتات الشعر). إضافة إلى تلك الأدوات هنالك البنبر المجلد (مضفور) بالحبل أو بالقِد (الجلد) أحياناً والذي تجلس عليه حبوبة قماشة وتجلس صاحبة الشعر على الأرض أمامها على قطعة من البرش أو الخيش وقد تجلس حبوبة قماشة على عنقريب وتجلس صاحبة الشعر على البنبر وذلك نادر.

وعلى ذكر حبوبة قماشة كانت هنالك امرأة بجاوية أخرى تمر على بيتنا القريب من السوق وتقف عند الباب وتنادي على من في الدار بصوت ناحل "بُرُود تديني، شباك تِمِسْكي" وقد تبدو الجملة بحاجة إلى ترجمة حاذقة لكنها بسيطة، فالمرأة عطشى ولكي تحصل على الماء البارد (بُرُود) فهي تدعو لصاحبة البيت أن يبلّغها الله المدينة المنورة فتمسك بشباك حجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

3. المدرسة.
مدرسة ودالحليو الإبتدائية تقع ناحية الجنوب الغربي من بيتنا ولا تفصلنا عنها مسافة بعيدة أو في الحقيقة أن طرف ملعب الكرة التابع للمدرسة يكاد أن يلاصق طرف بيتنا. عندما دخلت المدرسة كان أول مدير هو الأستاذ سراج الدين الجزولي من بورتسودان والذي نقل في ما بعد إلى الشواك ثم استقر أخيراً في بورتسودان. وقد عملت في مطلع التسعينات في بورسودان لفترة عامين فزرته في بيته. إبنه أمين الذي كان زميلاً لنا اقتدى بأبيه فوجدته مدرساً في إحدى مدارس بورتسودان.

كان اسمها وقتذاك مدرسة ود الحليو الابتدائية ثم تحولت إلى مدرسة الصديق


كان الأستاذ سراج الدين رجلاً أنيقاً مهندماً تحتل مقدمة رأسه صلعة واسعة. أما جزمته السوداء ذات المقدمة الرفيعة فهي لامعةًٌ دائماً يغطي الجزء الأعلى منها البنطلون المكوي (سيف). كان ذلك العهد عهد المعونة الأمريكية التي كانت تجلب لنا لبن الجاموس (البودرة) والساردين والجبنة. وقد كان بعض الطلاب لا يأكلون الجبن وبعضهم لا يأكلون الساردين فكان الأستاذ سراج الدين يقف في منتصف الطابور وينادي "اللي ما بياكلش جبنة يجي بي هنا واللي ما بياكلش ساردين يجي بي هنا" ويشير بيده إلى جهتين مختلفتين وكنا نستغرب هذه اللغة ونحن أبناء القرى الذين كنا ندعى إلى الأكل بعبارةٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ من جنس "قوم إتسمم" عندما نكون في حالة كوننا مغضوباً علينا.

من الأساتذة الذين لن أنساهم الأستاذ المربي بحق الشيخ عبد الباقي الشاورابي الذي درسنا اللغة العربية في السنة الثانية وكان يضربنا عندما نخطئ ثم يخرج ليشتري لنا الطعمية يرضينا بها فكان بذلك يضع السيف في موضع السيف والندى في موضع الندى مضفياً على علاقتنا به نوعاً من الإحساس بالأبوة وراسماً بذلك ذكراه في عقولنا وقد التقيته في القضارف حيث يسكن حي الملك أسأل الله أن يمد في عمره.

وكان هنالك الأستاذ عبد القادر ود الجزار والذي سكنت جواره في بيت خالي مبارك الخضر في المرحلة الثانوية في حي الجباراب بالقضارف. وكان هنالك الأستاذ عمر الحَسِين الذي لحّن لنا نشيد "هذه الدنيا الجميلة بين قفرٍ وخميلة وسماوات ثقيلة كلها من صنع ربّي". وكان هنالك لفيف من الأساتذة ؛ أستاذ كمال بنظاراته السميكة، أستاذ حسين (جون)، الأستاذ أحمد بلال الذي أذكر أنني كتبت موضوعاً إنشائياً عن الرسول صلى الله عليه وسلم قلت فيه "أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان جميلاً خَلقاً وخُلُقاً" فأُعجب أستاذ أحمد بهذه العبارة أيما إعجاب فأمر الطلاب بالتصفيق لي وأهداني علبة ألوان وكراس رسم، الأستاذ حسن السر الذي لا أنسى علقة تلقيتها منه في درس في الحساب، الأستاذ عبد الرحيم زروق والأستاذ أبو سقرة علي جبارة والأستاذ مبارك الخضروالأستاذ عمر عبد الوهاب (قرض) الذي كان مغنياً بارعاً وغيرهم من الأساتذة الذين مروا علينا وأضافوا إلينا من علمهم ومعرفتهم أجزل الله لهم العطاء.

كان فرّاش المدرسة العم نوري أحمد محمد الذي يقوم بفتح الفصول والمكاتب وتنظيف مكاتب المدرسين وقد كان رجلاً هادئ الطبع محمود السيرة.

كانت مدرسة ودالحليو الإبتدائية تضم عددا كبيراً من أبناء القرى المجاورة يسكنون في داخليتها فكان هنالك أبناء الهشابة الذين أذكر منهم هارون موسى وعبد الرحيم حسن أحمد والأخوين اسماعيل أحمد حامد والطاهر أحمد حامد ثم أحمد صغيرون وعبد القادر (دقاش) وكان هنالك آخرون من قرى أخرى مثل قرية عبودة والجيرة ومغاريف.