الأحد، 5 مارس، 2017

تجهيز عائلة مسلمة للحرق في ميانمار






حسبنا الله عليك إنت ،،
وجدت هذه الصورة على الفيسبوك وفوقها التعليق الواضح في الصورة أنها لعائلة من بورما تمت تعريتهم وتجهيزهم ليحرقوا. الغرض من الصورة واضح وهو استدرار وتهييج مشاعر المسلمين.
نعلم جميعاً ما يحدث في بورما لإخواننا المسلمين لكن دعمنا لهم لا يتأتى بالفبركة والكذب الصراح فهذا يساهم في تحويلنا إلى مضحكة وإفقاد القضية مصداقيتها وقوتها.
الصورة المستخدمة هنا لعائلة من طائفة المنبوذين في الهند. معروف أن المجتمع الهندي يخضع لنظام طوائف صارم أقرب إلى التفرقة العنصرية وفي أدنى هذا النظام تقع طائفة المنبوذين الذين لا يُسمح له حتى بملامسة غيرهم من الطوائف ناهيك عن الاختلاط بهم.
هذه العائلة تعرض أبوهم لعملية سرقة عادية وذهب إلى قسم الشرطة لفتح بلاغ لكن رجال الشرطة تعاملوا معه بناءً على النظام الطائفي القائم فرفضوا أن يفتحوا له بلاغاً أو أن يستمعوا إلى شكواه. وعندما حاول الاحتجاج ضربوه هو عائلته وجردوهم من ملابسهم وتركوهم هكذا في الشارع.
ولذلك فالصورة لا علاقة بها ببورما أو "ميانمار" ولا هذه العائلة تم تجهيزها للحرق ولا يحزنون.
اتقوا الله في ما تنشرون فأنتم تضرون بهذه القضية أكثر مما تفيدونها بمثل هذا العبث.

الأربعاء، 1 فبراير، 2017

ذكرى ،، من قصائد الصبا




الأربعاء، 18 يناير، 2017

"دمت أوالي" - الشاعر ود الرضي


"دمت أوالي" - الشاعر ود الرضي
أبوبكر العاقب
الرياض - 18 يناير 2017م
.
الشاعر محمد سليمان ابراهيم ود الرضي شاعر غنائي سوداني من مواليد العيلفون عام 1884م ، حفظ القرآن الكريم بخلوة الشيخ العبيد ودبدر بأم ضوا بان ، وتوفي بها عام 1982 عن عمر يناهز المائة عام . أثرى ود الرضي ذاكرة الغناء السوداني بقصائد قلّ أن يأتي شاعر بما يضارعها جودةً وسبكاً ونظماً ومعاني.ولأن سيرة الشاعر متوفرة على الكثير من مواقع الشبكة فلن أسهب فيها وإنما القصد من هذا المنشور تسليط قليل من الضوء على قصيدة من قصائده وهي "دمت اوالي" وهي قصيدة أعدها من فلتات الشعر وعيونه لما تحتويه من إبداع على جميع الأصعدة مثل المعاني والقوافي والمفردات وغيرها.
تضج قصيدة "دمت اوالي" بالشكوى للمحبوب من مرارة الهجران والبعد ويقول في مطلعها:
.
دمت اوالي ذكر التوى لي وانتعش مرات العليل
.
وهي إشارة إلى أنه لن ينسى محبوبه وسيوالي ذكره رغم أن المحبوب أرهقه أو جعله "تاوياً" وهي كلمة دارجة تعني مجهداً أو هالكاً ثم يشير بعد ذلك إلى أنه ينتعش كلما مرّ عليه النسيم العليل ولعله النسيم يذكره بطيب محبوبه فينتعش.
.
تتوالي بعد ذلك الصور الجميلة في القصيدة والتي تكشف عن براعة غير مسبوقة في توظيف اللغة وتطويعها. يقول ود الرضي:
.
النَحِيبْ لأيَّامْنَا وزَمَانَا الكُنَّا فِى صَفْوَاتَه وأَمَانَا
قَبْلِ مَا يَتَعَذَّرْ لِمَانَا بَعْدَ نَأَيَكْ أَفْضَلْ عَمَانَا
يَا حَيَاةْ أَرْوَاحْنَا وطَمَانَا لَوْ زَمَانْنَا بِهَجْرَكْ رَماَنَا
كُلَّ شَىْ بَى ضِدُّه بِيَزِيلْ
إِنْ عَطَفْتَ إِنْطَفَى حَرْ ظَماَناَ وإنْ جَفَوْتَ فَشَوْقَاً جَزِيلْ
.
فانظر كيف وظف ود الرضي التضاد في هذه الفقرة حين قال "لو زماننا بهجرك رمانا ،، كل شي بي ضدو بيزيل". ورغم توقعنا بعد هذا الرجاء أن يميل المحبوب ويتعطف إلا أن الشاعر يحاول أن يدع للمحبوب مجالا ًواسعاً للحركة دون إرغام فيخاطبه قائلاً "إن عطفت انطفى حر ظمانا" لكن مع ذلك "إن جفوتَ فشوقاً جزيل".
.
ثم انظر إلى هذه الجزئية المكثفة والمكتظة بما لا يتأتي للكثير من الشعراء:
.
اسْتَعِنْتَ بِجَلَدِى ورَائِى سَاوَمْتُة يَا خِلاَّىْ إِشْتِرَائِى
كَىْ أَرَاهُ ومَانَى المِرَائِى مَانِى جَاهْل الدَّاهْمَة الوَرَائِى
قَالِّ ذَلكَ زُورْ وإفْتَرَاءِ قُلْ لِى مَنْ لِلْعَنْقَاءِ رَائِى
كُفْ وكَفْكِفْ ذَا المُسْتَحِيلْ
قُتَّ آهٍ فُصِمَتْ عُرَائِى صَدَّ عَنِّى وَزَرَفْ الكَحِيلْ
.
يقول الشاعر أنه استعان بشجاعته ورجاحة رأيه وطلب أن يشتريه المحبوب فيكون مملوكاً له حتى يتمكن من رؤيته وهو صادق في طلبه غير مراءٍ وغير جاهلٍ بمصيره إن تعذرت رؤيته لمحبوبه. فماذا كان رد المحبوب؟ أجاب المحبوب بأنه ما قاله الشاعر زور وافتراء وأن ما يطلبه يعتبر من المستحيلات كما هي رؤية العنقاء ثم طلب من الشاعر أن يكفّ عن ذلك. حينها تأوه الشاعر ألماً لكن المحبوب صدّ رغم ذلك مع شعوره بالعطف على الشاعر بدلالة الدموع التي انهملت من عيونه الكاحلة (صدّ عني وذرف الكحيل).
.
ومن بدائع تركيب ود الرضي في اللغة دون الوقوع في فخ الاصطناع ما ورد في:
.
مَرَّتْ الاَيَّامْ يَا السَّلاَمَة وإنْتَ عَينَه وسِيْنَه ولاَمَه
يَا مُنَزَّهْ عَنْ المَلاَمَة يَا صَبَاحَا كَشَفْ الظَلاَمَه.
.
فانظر كيف صوّر ود الرضي المحبوب واصفاً إياه بأنه حلاوة أيامه وعسلها في قوله "إنت عينها وسينها ولامها". ثم يشير في ذات الفقرة إلى أن زمانه مرتهن بحالة المحبوب من الإقبال أو الإعراض حيث يقول: "والزمن بي ميلك يميل".
.
وإذا نظرنا إلى هذه الفقرة:
.
القَوَافِى البَدَتْ إِعْتذَارَه والقُلُوبْ الخَافَتْ بَزَارَه
والوَرِعْ التِّبِعْ النِّذَارَه الجَّمِيعْ مِنْ مَايْقَكْ حَذَارَى
يَا سُلاَفَة مَعَنَى العَذَارَى رَوْضَة حُسْنَكْ والنَّاسْ هَزَارَى
يَا الخَرِيفْ الوَافَاهُ نِيلْ
يَا رَبيعْ المَاحْلَة المَزَارَة يَا سَعَادَة حَظْ مَنْ يَنِيلْ
.
نجد أن ود الرضي حشد فيها وصفاً للمحبوب يتسم بالجمال البديع ليختمه بقوله "يا سعادة حظ من ينيل". ولعمري يا سعادة حظ من ينيل من اتصف بكل هذا القدر من الجمال الخَلقي والخُلقي الذي وصفه ود الرضي فأبدع.
آمل من الإخوة العارفين مشاركتنا في تسليط الضوء على هذا القصيدة البديعة.

الاثنين، 16 يناير، 2017

التنميط ،، علة العصر


التنميط

التنميط هو إصدار الأحكام على أو تقييم أشخاص أو مجموعات بناءً على تجارب شخصية محدودة. وبعبارةٍ مبسطة إذا واجهتك مشكلة مع شخص من جنسية أو مجموعة عرقية معينة وتوصلت إلى نتيجة أنه وقح مثلاً وقمت بتعميم هذا الحكم على جميع الأفراد الذين ينتمون إلى نفس الجنسية أو المجموعة العرقية، تكون قد مارست نوعاً من التنميط.
ومن الواضح أن التنميط سلوك أو طريقة تفكير كريهة ومستهجنة لكن الأمر الأهم هو ما يترتب عليها بالنسبة إلى أولئك الذين يجدون أنفسهم ضحايا للتنميط. وبخلاف الآثار النفسية للتنميط فإنه يتسبب في العديد من المظالم حيث يؤدي إلى سوء تقييم للشخص الواقع تحت طائلة التنميط.
ينتج التنميط في الغالب عن عدة أسباب يمكن الإشارة إلى بعضها في النقاط التالية:
1-        التفكير غير الناضج: يميل الأشخاص غير الناضجين فكرياً إلى ممارسة التنميط بسبب قلة الدراية بطريقة تقييم الأشخاص والتفاعل معهم. وبالطبع ليس هنالك علاقة بين نضج التفكير والتعليم حيث أن الكثير من الحاصلين على درجات علمية عالية يمكن أن يكونوا غير ناضجين فكرياً مثلهم مثل كثير من الأميين.
2-        الأثر الإعلامي: تساهم الآلة الإعلامية في رسم أنماط للبشر من خلال ربط بعض المزايا والسمات الإيجابية بمجموعات أو أعراق معينة. وينعكس هذا الأثر على طريقة تفكير الناس عن بعضهم البعض ويدفعهم، ربما دون وعي، إلى تطوير أنماط معينة يطبقونها على من حولهم.
3-        الإستراتيجية الدفاعية: يستخدم بعض الناس التنميط كإستراتيجية دفاعية ويكون مثل هذا الشخص في العادة خائفاً من شيء ما ومن ثم يطبق صورةً معينة على الآخر ومن ثم يتصرف أو يتفاعل معه على أساسها.
أما بالنسبة لنتائج التنميط فهي أكثر وضوحاً وأسوأ تأثيراً في الدول التي تتسم بضعف أو غياب مؤسسات تطبيق القانون. وفي مثل هذا المجتمعات يفتقر ضحية التنميط إلى الحماية ضد ما يترتب على التنميط من نتائج كارثية. ويمكن أن تشمل هذا النتائج ما يلي:
1-        العدوان اللفظي: يتراوح العدوان اللفظي بين التلميحات المسيئة ليصل حتى الشتائم المباشرة وقد يقع مثل هذا العدوان في الأماكن العامة المفتوحة مثل محطات المواصلات أو قد يقع في مواجهة الضحية لوحده في حال الانفراد به أو عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني.
2-        العدوان الجسدي: يمكن أن يتراوح العدوان الجسدي بين الملامسة المسيئة المقصودة وحتى الضرب العنيف المؤدي إلى إصابات نفسية وجسمانية بليغة.
3-        الحرمان من الحقوق: يقع الحرمان من الحقوق كالعادة عندما يكون الشخص الممارس للتنميط في موقع سلطة أو قوة أو مسؤولاً عن تقديم خدمات معينة للجمهور. وفي الغالب تؤثر الصورة النمطية لدى مثل هذا المسؤول على الطريقة التي يتعامل بها أو يخدم بها الجمهور. ويفاقم هذا الوضع ضعف أو غياب أو عدم كفاءة الجهات المسؤولة عن تطبيق القانون وفرضه.
ورغم أن التفكير التنميطي يبدأ على المستوى الشخصي إلا أنه سُرعان ما يتطور إلى سلوك عام حيث يصبح أساساً لنوع من التمييز. ولهذا السبب يصبح من الأهمية بمكان إدراك أسبابه ونتائجه ومن ثم تطوير إستراتيجيات للتغلب عليه. ويجب تطوير هذه الإستراتيجيات بواسطة المجموعات الخاضعة للتنميط بناءً على إلمامها ومعرفتها وطرق تفاعلها مع أولئك الذين يمارسون عليهم التنميط.
----
أبوبكر العاقب
سبتمبر 2014م

الثلاثاء، 12 أبريل، 2016

العمل مع الأغبياء ،، الداء القاتل

 
يشكل الأغبياء في مكان العمل خطراً على صحتك يعادل خطر السجاير والكافيين أو الأطعمة المشبعة بالدهون كما تشير دراسة مثيرة للانتباه.
ويمثل هؤلاء الأغبياء أحد الأسباب الرئيسية للنوبات القلبية حيث أن العمل بشكل يومي مع أشخاص أغبياء يعتبر أحد أنواع الضغوط القاتلة وفقاً لما أورده باحثون سويديون من المركز الطبي لجامعة ليندبرغ.
وتقول كاتبة الدراسة الدكتورة داغمار أندرسون أن فريق البحث درس 500 حالة من النوبات القلبية واندهشوا لاكتشافهم أن 62% لديهم عدد قليل نسبياً من عوامل المخاطر الجسمانية التي تسبب النوبات القلبية بشكل عام.
"سألناهم بعد ذلك عن نمط حياتهم وعاداتهم فأشار جميع هؤلاء المرضى تقريباً من ذوي المخاطر المنخفضة إلى أنهم يعملون مع أشخاص بالغي الغباء لدرجة أنهم يتوهون من مواقف السيارات إلى مكاتبهم. وقد جاءت النوبة القلبية لكلٍ منهم خلال أقل من 12 ساعة بعد مواجهة حادة مع أحد هؤلاء الحمقى.
لقد نُقلت إحدى النساء بسرعة إلى المستشفى بعد أن مزّق أحد مساعديها مستندات ضريبية هامة للشركة بدلاً عن نسخها. وأخبرنا أحد الرجال أنه انهار على مكتبه مباشرة بعد أن ظلت المرأة المجاورة له تطلب منه باستمرار سائل التصحيح "الطامس" لمسح نص على شاشة حاسبها الآلي.
وتقول الدكتورة آندرسون "بإمكانك الحد من التدخين أو تحسين نظامك الغذائي لكن معظم الناس لديهم قدرات محدودة للتأقلم مع الغباء، إنهم يشعرون بالعجز تجاهه ولذلك فإنهم يبتلعون إحباطهم حتى ينفجروا في النهاية".
زملاء العمل الأغبياء يمكن أن يتسببوا أيضاً في زيادة حمل العمل إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف على من يعمل معهم كما أوضحت الدكتورة آندرسون. "يشعر معظم الأشخاص الذين شملناهم في الدراسة بالرثاء على الأغبياء الذين يعملون معهم لذلك يحالون مساعدتهم بإصلاح ما يفسدونه. لقد قضت إحدى السيدات أسبوعاً كاملاً وهي تعمل على إعادة بناء سجلات أحد العملاء لأن الكاتبة التي تعمل معها قامت بحذفها إلى سلة المهملات في حاسبها الآلي ثم قامت بتفريغ السلة ،، لقد كانت تعتقد أنه ستتم إعادة تدوير السجلات لاستخدامها مرةً أخرى"

-------
ترجمة: أبوبكر العاقب

الاثنين، 4 أبريل، 2016

سعاد الفاتح .. النبي فوقنا

ورد في الأخبار أن الدكتورة سعاد الفاتح، عضو مجلس الولايات طالبت " نواب المجلس (مجلس الولايات) بقيام الليل وبيع الأنفس لله، ودعت لاستعادة شعار (هي لله ..هي لله)).
يبدو أن الدكتورة سعاد الفاتح التي تعتبر هي والأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم أول سودانيتين تدخلان البرلمان لم تصل بعد إلى قناعة بأن شعار "هي لله" لم يعد هو الشعار الذي يدغدغ المشاعر ويحمل الناس إلى جنة الله في الأرض التي كانت تساق بها الجماهير أو بلغة الشارع أن "المكنة دي بقت ما بتقسّم".
إن شعار "هي لله" الذي طرحته حكومة الإنقاذ وظلت تلوح به طوال ربع قرن من الزمان لم ينجم عنه إلا مزيد من الظلم باسم الله ومزيد من السرقة باسم الله ومزيد من الذل والمهانة باسم الله الذي كرّم ابن آدم من دون خلقه (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) الآية 70 من سورة الإسراء.
ولعلها بهذا التصريح الغريب تعطينا الدكتورة سعاد إشارةً إلى أنها ورغم التجارب التي خاضتها في الحياة السياسية إلا أنها لم تتقدم قيد أنملة سواء من حيث إيمانها بهذا الشعار الذي فقد بريقه وأصبح باهتاً أو من حيث عدم قناعتها بأن الإنسانية جمعاء قد توصلت من خلال تجاربها الحية، وتجربتنا أبلغ التجارب، أن الشعارات الدينية الفضفاضة التي تحاول التملص من الضوابط والقوانين والأحكام والإجراءات، أو باختصار التي تحاول تجنب دولة المؤسسات هي تجارب محكوم عليها مسبقاً بالفشل مهما كانت درجة عفة وتقوى القائمين عليها.
لقد توصل العالم أجمع إلى أن دولة المؤسسات هي الدولة التي تمتلك مقومات الاستمرارية والقدرة على بسط العدل والمساواة بين الناس وتوفير حاجاتهم الأساسية دون النظر إلى أعراقهم أو أديانهم أو ثقافاتهم طالما أن لهم حق المواطنة وذلك لأن دولة المؤسسات تخضع مؤسساتها لضوابط وقوانين وأحكام بدلاً عن أن تخضع للمزاج الشخصي أو للتفسيرات الاعتباطية للنصوص الدينية التي ترفع السيف فوق رأس من يخالفها بناءً على أحكام لعلماء مترفين يترفهون في مساكنهم الفاخرة غير عابئين بمن بات جائعاً أو أنّ مريضاً أو مات من مسغبة أو غبن.
وقد دعت الدكتورة سعاد الفاتح إلى عدم التمسك بالكراسي وكان الأولى بها لو أنها غير متمسكة بالكرسي أن تحدثنا عن أمور أخرى وأن تطرح لنا رأيها في مسائل أشد حساسية وأكثر وضوحاً من "هي لله" ولكنه ما حكاه لنا القرآن الكريم في قوله تعالى : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ ۗ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) الآية 136 سورة الأنعام. فقد جعلها القوم كلها لله بقولهم "هي لله" ثم أخذوا ذلك النصيب وأدخلوه جيوبهم ولم يذهب لا إلى الله ولا إلى خلق الله شيء منه.
كان الأولى بالدكتورة سعاد، وأشبه بها، لو أنها دعت النواب إلى جلسات عصف ذهني للتوصل إلى مقترحات عملية وواقعية لمعالجة مشاكل الفقر الذي يطحن السواد الأعظم من أهلنا وعن الأمراض المستعصية باهظة العلاج التي صارت تفتك بالناس في بلدنا والفوضى الضاربة بأطنابها في كل الدواوين حتى اختلط حابل الفوضى بنابل القهر فأصبحت مكاتب ولاة الأمر أسواقاً للإتجار بأراضٍ كان الأولى أن تخصص لأسر من المغتربين المهاجرين لعشرات السنين دون أن يكون لديهم بصيص أمل في حياة مستقرة بين أهليهم.
ولو أن في البلاد دولة مؤسسات لما آل الحال إلى ما آل إليه وللقي كل عاملٍ جزاءً من جنس عمله لأنه يخضع للقانون أياً كان المنصب الذي يتبوأه ولأن الحسبة تطاله وتطال بنيه وأسرته مهما كانوا ولأن الأنظمة لا تعطيه فرصةً أصلاً للتلاعب والتدليس والمراوغة من خلال ما يعرف بالضوابط والتوازنات (Checks and Balances) التي تعتبر من السمات المهمة للأنظمة الديمقراطية.
إن المجلس الذي يتبنى أعضاؤه دعوات مثل دعوة الدكتورة سعاد الفاتح هو ليس سوى جسم فوقي لا علاقة له بهموم من يفترض أنه يمثلهم ويخدم مصالحهم وعلى ذلك فهو مجلس بالغ التعاسة لأنه لا يشعر بآلام من فوضوه لخدمتهم وينطبق عليه قول شاعرنا الفذ محمد المكي إبراهيم الذي قال في قصيدته المُحكمة "قطار الغرب":

ما أتعس رأسا مشلول الأقدام
ما أتعس راسا لا تعنيه تباريح الأقدام


نُشر في الراكوبة بتاريخ 4 مايو 2015م على الرابط: هنا
 

الأستاذ / سراج الدين الجزولي

سراج الدين الجزولي
.
ما ذكر أساتذة المرحلة الابتدائية إلا وتبادر إلى ذهني الأستاذ الجليل سراج الدين الجزولي مدير مدرسة ود الحليو الابتدائية في مطلع السبعينيات والتي تم تغيير اسمها لاحقاً إلى مدرسة أبي بكر الصديق.
سراج الدين الجزولي من مدينة بورتسودان رجل طويل القامة، أسمر الإهاب تزين مقدم رأسه صلعة تصبغ وجهه بنوع من الوقار المحبوب.
دخلت إلى الصف الأول من المرحلة الابتدائية وأنا بين التهيب والتلهف إلى عالم المدرسة فوجدت الأستاذ سراج الدين الجزولي مديراً للمدرسة. كانت هنالك صالة تتوسط الفصول وتفتح على هذه الصالة مكاتب المعلمين وإذا دخلت من الجهة الشمالية فإن مكتب الأستاذ سراج الدين يكون الأول على يدك اليمنى.
كان الأستاذ سراج الدين معلماً من الناحيتين الأكاديمية والسلوكية فقد وصل إلينا مديراً وقد تراكمت لديه الخبرات في التعامل مع التلاميذ وصار منهجه في معاملتهم أنهم أبناؤه مع اختلاف مشاربهم وجهات قدومهم حيث كانت مدرسة ود الحليو تجمع الكثير من أبناء القرى المجاورة مختلفي الثقافات والأعراق والمستويات المعيشية.
وعلى قلة تدريسه لنا إلا أن الأستاذ سراج الدين كانت له الكثير من الإشراقات في حياتنا المدرسية التي كانت تتضمن الكثير من الأنشطة اللاصفية فكانت الجمعية الأدبية والبحث عن الكنز والاحتفالات السنوية وغيرها الكثير.
في ذلك العهد كانت تأتي إلى السودان المعونة الأمريكية للمدارس والمكونة في الغالب من الساردين وبدرة الحليب (لبن الجاموس) فكانت تقدم لنا وجبة إفطار في المدرسة مكونة من ساندوتش من الجبنة أو الساردين مع كوب من الحليب. كان الأستاذ سراج الدين في بداية العام يقف أمام الطابور وينادي "اللي ما بياكلش ساردين يمشي يمين" وكنا نستغرب من هذه اللغة.
كان الاستاذ سراج الدين رجلاً أنيقاً يهتم بهندامه فكان لا يُرى إلا وبنطاله مكوي وجزمته لامعة ورائحته طيبة.
كان للأستاذ سراج الدين من الأبناء محمد وأمين وسامي على ما أذكر.
التحية للأستاذ سراج الدين الجزولي ولكل أساتذتي الذين علموني ولو حرفاً واحداً ،،،

رسائل التجهيل

رسائل التجهيل

 أبو بكر العاقب .. الرياض
14 يونيو 2015م


 

وردتني رسالة على الفيسبوك يقول من كتبها، كسر الله قلمه، أن هنالك كلمات نستخدمها في العربية ويجب علينا تفاديها كمسلمين لأنها تتعرض بالإهانة لديننا.

أوردت الرسالة أن كلمة "mosque" تعني بيت البعوض وأن كلمة "Mecca" تعني بيت الخمر وأن كلمة "Mohd" تعني الكلب واسع الفم. وفي النهاية طلبت مني الرسالة أن أنشرها لأنني إن كتمتها فسيلجمني الله بلجام من نار.

وتفادياً لهذا اللجام الناري طفقت أبحث عن معاني هذه الكلمات وأصولها حتى أستوثق مما أنشر وأعزز الحجة بالبراهين إن صحّ ما ورد في الرسالة آنفة الذكر.

أثناء بحثي عن كلمة mosque وأصولها وجدت من أشار إلى أن الكلمة تطورت من كلمة mosquito التي تعني البعوض بعد المقولة المنسوبة إلى ملك أسبانيا فردناند بأنه قال في بداية الحروب الصليبية أنه سيسحق المسلمين كما البعوض. ولعل من أهم ما يدحض هذا الزعم هو أن ظهور الكلمة نفسها في اللغة الإنجليزية، حسب مصادر اللغة، جاء في حوالي سنة 1711م وهو تاريخ بعد الملك فردناند والحروب الصليبية بكثير التي كانت في الفترة 1096م-1291م.

والراجح عندي بخصوص هذه الكلمة أنها تحورت من الكلمة العربية "مسجد" ثم انتقلت من لغةٍ إلى أخرى حتى وصلت إلى الإنجليزية بصيغتها الحالية. ويشبه ذلك تحور كلمات مثل Toledo من طليطلة وValladolid من بلد الوليد وTrafalgar من الطرف الأغر فالأولى والثانية مدن في اسبانيا والثالثة ميدان في قلب لندن عاصمة الضباب.

أما بالنسبة لكلمة "mecca" فهي كلمة إنجليزية تعني في الأصل المكان الذي يتجه إليه كثير من الناس من جماعة معينة أو لمنشط معين مثل كلمة "قِبْلة" بمعناها العام في اللغة كأن تقول "أصبحت مدينة أركويت قبلة المصطافين". وقد وردت الكلمة في قاموس "مريام وبستر" بالرسمين، Mecca وMakkah، وشرحها القاموس أنها مدينة في المملكة العربية السعودية وأنها مسقط رأس محمد وأولى المدن المقدسة في الإسلام.

الطامة الكبرى في الكلمة الأخيرة التي هي ليست كلمة إنجليزية أصلاً ولم ترد في أي من مصادر اللغة الإنجليزية قديمها وحديثها وحسب اعتقادي أنها كلمة استحدثها إخوتنا المسلمون في شرق آسيا لاختصار اسم "محمد" وأظن ذلك يعزى إلى طول أسمائهم. إذاً لا علاقة لكلمة "Mohd" بكلبٍ فمه واسع أو فيلٍ فمه ضيق.

ثم ماذا بعدُ؟

أولاً تكشف هذه الرسالة عن أحد أمرين؛ إما الجهل المفرط أو سوء النية للإساءة إلى دين الإسلام بإظهار أتباعه بهذا المظهر "العبيط". أما الأولى فلا عذر لمن تسبب بها إذ أنّ من جهل سأل ومن سأل علم. وأما الثانية فالأولى بنا أن لا ننساق وراءها ونكرر وننشر كل ما يقع تحت أصابعنا على الكمبيوتر أو الجوال محتسبين الأجر عند الله فلا أظن أن من ينشر السيئة بحسن نية يؤجر وقد قيل إن "الطريق إلى الجحيم مفروش بحسن النوايا" وأن "القانون لا يحمي المغفلين".

استوثقوا قبل أن تنشروا، فإن لم تستطيعوا أن تستوثقوا فالأجدر أن لا تنشروا مخافة أن تعمموا معلومة أقل خطرها أن تظهركم بمظهر الجهلة الذين يطنون بما لا يعلمون.

الأربعاء، 30 مارس، 2016

"كان ميلاد بغداد معلماً في الحضارة العالمية"

قصص المدن (3): 
"كان ميلاد بغداد معلماً في الحضارة العالمية"

 • كتبه: جاستن ماروزي – 16 مارس 2016م 
• ترجمه إلى العربية: أبوبكر العاقب 












كان إنشاء مدينة أبي جعفر المنصور الدائرية في عام 762م علامةً باهرة في تاريخ التصميمات الحضرية. وقد تطورت المدينة لتصبح مركز العالم. إذا كانت بغداد تشكل اليوم مثالاً حياً للتآكل الداخلي والعنف غير المسبوق فإن تأسيسها قبل 1250 عاماً كان علامة باهرة في تاريخ التصميم الحضري. وعلاوةً على ذلك فقد كانت علامة في الحضارة وميلاداً لمدينة سوف تصبح بشكل متسارع المنارة الثقافية للعالم. وبخلاف الاعتقاد السائد فإن مدينة بغداد قديمة لكنها لا تعتبر أثرية. 
تأسست المدينة في عام 762م على يد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور كعاصمة جديدة للإمبراطورية الإسلامية. وبمقاييس بلاد الرافدين فهي مدينة حديثة العهد بالمجد ومبتدئة مقارنةً بمدن نينوى وأور وبابل (التي تأسست في الألفية السابعة والرابعة والثالثة قبل الميلاد على التوالي). 
وتبدو بغداد فتية ًعند مقارنتها أيضاً بمدينة أوروك أحد التجمعات الحضرية في بلاد الرافدين والتي كانت، في حدود 3200 سنة قبل الميلاد، أكبر تجمع حضري في العالم حيث بلغ عدد سكانها 80,000 نسمة. ويعتقد البعض أن الاسم العربي لبلاد بابل وهو العراق مشتق من اسم أوروك. 
تتوفر اليوم معلومات ضافية عن تخطيط المدينة الدقيق والبديع بفضل السجلات المفصلة لعملية إنشائها. وعلى سبيل المثال تخبرنا تلك السجلات بأن المنصور أثناء بحثه عن موقع لعاصمته الجديدة وهو ينتقل على نهر دجلة من مكان لمكان بحثاً عن موقع ملائم نصحته بالموقع الجيد ذي المناخ الطيب جالية من الكهنة النسطوريين الذين أقاموا في المنطقة قبل المسلمين بعهود بعيدة. 
ووفقاً للجغرافي والمؤرخ العربي من القرن التاسع عشر المعروف باسم اليعقوبي صاحب كتاب "معجم البلدان"، فإن موقعها الملائم للتجارة على نهر دجلة وقريباً من نهر الفرات وفر لها الإمكانيات التي تؤهلها لأن تصبح ملتقى الطرق العالمية. وتمثل هذه العبارة شهادة بأثر رجعي لأن بغداد، مدينة السلام، في الوقت الذي كتب فيه اليعقوبي كتابه أصبحت مركز العالم وعاصمة دار الإسلام الدولة المجيدة وموئل العلماء والفلكيين والشعراء وعلماء الرياضيات والموسيقيين والمؤرخين واللغويين والفلاسفة. 
وبمجرد موافقة المنصور على الموقع تركز الجهد على تحديد التصميم المطلوب للمدينة. ومرةً آخرى تخبرنا السجلات بأن تلك المهمة كانت من إنجاز الخليفة نفسه. وقد كان العاملون، تحت إشرافه المباشر، يخططون خريطة مدينته الدائرية على الأرض بخطوط من الرماد. وجاء الشكل الدائري المحكم تقديراً لعالم الرياضيات إقليدس الذي كان الخليفة دارساً له ومفتوناً به. 
بعد ذلك تجول الخليفة في تلك الخريطة المسطحة وأعطى موافقته وأمر بوضع كرات من القطن المبلل بالزيت على كامل حدود المدينة وإشعالها لتوضيح موقع السور الخارجي المزدوج والمحصن. 
وفي يوم 30 يوليو 762م، اليوم الذي حدده فلكيو الخليفة على أنه أكثر الأيام يمناً وبركة لبدء العمل، صلى المنصور لله ووضع حجر الأساس الاحتفالي وأوصى العمال المتجمهرين بالإجتهاد في العمل. 
لقد شكّل حجم هذا المشروع الحضري الضخم أحد أهم النواحي المميزة في قصة بغداد. وكانت الدائرة التي يبلغ محيطها أربعة أميال وجدران الطوب المهيبة التي تنهض من ضفاف نهر دجلة تمثل السمة الشخصية لمدينة المنصور. ووفقاً للعالم الخطيب البغدادي الذي عاش في القرن الحادي عشر، والذي يعتبر كتابه "تاريخ بغداد" كنزاً من المعلومات عن إنشاء المدينة، فإن كل مدماك يتكون من 162,000 طوبة للثلث الأول من ارتفاع الجدران و150,000 للثلث الثاني و140,000 للجزء الأخير وكلها مربوطة بمجموعة من الروابط.
ويبلغ ارتفاع الجدار الخارجي 80 قدماً تعلوه فتحات وتتوزع عليه الحصون. ويحيط بالجدران الخارجية بالكامل خندق مائي. لقد كان حجم القوى العاملة نفسه ضخماً بصورةٍ مذهلة حيث تم استقدام آلاف المعماريين والمهندسين والخبراء القانونيين والمساحين والنجارين والحدادين والحفارين والعمال العاديين من مختلف أنحاء الإمبراطورية العباسية. قامت هذه القوة العاملة في البدء بإجراء المسوحات والقياسات وحفريات الأساسات. وباستخدام الطوب المجفف بالشمس أو المحروق بالحجر الجيري الذي كان يستخدم مادةً للبناء في سهل بلاد الرافدين الذي كان يغمره الفيضان النهري مع عدم وجود المحاجر، ارتفعت الجدران الشبيهة بالحصن طوبةً طوبةً. 
لقد كان ذلك أضخم مشروع إنشائي في العالم الإسلامي: وأورد اليعقوبي أن 100,000 عامل شاركوا في إنجاز المشروع. جسّد التصميم الدائري للمدينة إبداعاً أخاذاً. "يقولون أنه لا توجد أي مدينة دائرية في أي منطقة من العالم" كتب الخطيب معززاً ذلك. 
كانت هنالك أربع بوابات بمسافات متساوية بينها على سور المدينة وطرقات مستقيمة تقود منها إلى وسط المدينة. كان باب الكوفة إلى الجنوب الغربي وباب البصرة إلى الجنوب الشرقي يفتحان على قناة سرات وهي جزء أساسي من شبكة المجاري المائية التي تصرّف مياه الفرات إلى دجلة لتجعل هذا الموقع شديد الجاذبية. وتقود بوابة الشام الواقعة إلى الشمال الغربي إلى الطريق الرئيسي إلى الأنبار وعبر الأراضي الصحراوية إلى سوريا. أما إلى الشمال الشرقي فتقع بوابة خراسان القريبة من نهر دجلة والتي تقود عبر النهر إلى جسر القوارب. وخلال الفترة الأطول من حياة المدينة ظل العدد المتذبذب من هذه الجسور المكونة من قوارب صغيرة مربوطة ببعضها ومثبتة إلى الضفة تشكّل أحد المظاهر الجذابة والساحرة لمدينة بغداد. ولم تكن هنالك أي إنشاءات ثابتة حتى وصول البريطانيين في القرن العشرين حيث أنشأوا جسراً حديدياً عبر نهر دجلة. 
توجد غرفة حراسة فوق كل واحدة من البوابات الخارجية الأربع. أما الغرف الموجودة على الجدران الرئيسية الأعلى فتعطي إطلالة كاملة على المدينة ومسافة عدد من الأميال من بساتين النخيل والحقول الخضراء الزمردية التي تلامس مياه نهر دجلة. لقد كانت غرفة المشاهدة الرئيسية أعلى غرفة الحراسة فوق بوابة خراسان المكان المفضل للخليفة المنصور يرتاح فيها بعد الظهر من الحرارة الخانقة.
الطرق الأربعة التي تتجه إلى وسط المدينة من البوابات الخارجية مغطاة بأروقة مقوسة وتضم محلات التجار والأسواق. وتتفرع عن هذه الطرق شوارع أصغر لتصل إلى عدد من الميادين والمساكن تشكل المساحة المحصورة بين السور الرئيسي والسور الداخلي والتي جاءت استجابة لرغبة المنصور في الحفاظ على قلب المدينة كمنطقة سلطانية خاصة. يضم مركز مدينة بغداد منطقة كبيرة مغلقة ربما يبلغ قطرها حوالي 6,500 قدم تقع في قلبها المنطقة السلطانية المحمية. أما الجوانب الخارجية لهذه المنطقة فقد كانت محجوزة لأبناء الخليفة ومساكن لموظفي الخليفة وخدمه ومطابخ الخليفة ومساكن للخيالة وغيرها من دواوين الدولة. 
ويعتبر مركز هذه المنطقة خالياً تقريباً باستثناء مبنيين هما أجمل مباني المدينة؛ المسجد الكبير وقصر البوابة الذهبية الخاص بالخليفة مما يعد تعبيراً إسلامياً كلاسيكياً عن ارتباط السلطتين الدينية والدنيوية. ولم يسمح الخليفة المنصور لأحدٍ سواه بالركوب في هذه المنطقة سواه وشمل ذلك عمه المصاب بداء النقرس الذي طلب الإذن له بذلك على أساس علته الجسمانية. 
ولعلنا نشعر بالتعاطف مع عم الخليفة المتقدم في السن. ودون أن يتأثر باحتجاجات الشيخ المبنية على ضعف أطرافه أجاب المنصور بأن من الممكن حمله على محفّة وهي الوسيلة التي كانت شائعة الاستخدام للنساء. "سأستحي من الناس" أجاب عمه عيسى. فرد الخليفة بقسوة "لم يبق أحد تستحي منه". 
كان قصر الخليفة مبنىً مميزاً على مساحة 360,000 قدم مربع وأكثر ما يميزه تلك القبة الخضراء بارتفاع 130 قدم فوق غرفة النظارة مباشرةً والتي يمكن رؤيتها من مسافة عدة أميال يعلوها تمثال لخيّال في يده رمح. وقد أشار الخطيب إلى أن التمثال كان يدور على محوره مثل أداة اتجاه الرياح موجهاً رمحه إلى الاتجاه الذي سيأتي منه أعداء الخليفة في المرة القادمة. أما مسجد المنصور الكبير فقد كان أول مسجد في بغداد ويقوم على مساحة شاسعة تبلغ 90,000 قدم مربع ليشكل رمزاً لطاعة الله ويبلّغ رسالةً بأن العباسيين هم أقوى عباد الله وأعلاهم على الأرض. 
بحلول عام 766م كانت مدينة المنصور الدائرية قد اكتملت. واجتمع الرأي العام على أنها تشكل نصراً كبيراً. وقد أفاض الكاتب متعدد الثقافة واسع الإطلاع الجاحظ في وصفها إذا قال "قد رأيت المدن العظام، و المذكورة بالإتقان والإحكام، بالشامات و بلاد الروم، و في غيرها من البلدان، فلم أر مدينة قط أرفع سمكاً، ولا أجود استدارة، ولا أنبل نبلاً، ولا أوسع أبواباً، ولا أجود فصيلاً من الزوراء، وهي مدينة أبي جعفر المنصور" وقد كان أكثر ما أدهشه الشكل الدائري للمدينه فوصفه قائلاً: "كأنما صبت في قالب، وكأنما أفرغت إفراغاً".
لقد أُزيلت آخر أثار مدينة أبي جعفر المنصور الدائرية في سبعينيات القرن التاسع عشر عندما هدم مدحت باشا، الحاكم العثماني الإصلاحي، أسوار المدينة في حمّى التحديث التي كانت تسيطر عليه. ومنذ ذلك العهد تعوّد أهل بغداد على إبعادهم من مركز عاصمتهم المنعّم. 
وكما كان محظوراً على أهل بغداد الوصول إلى الحرم الداخلي للمدينة تحت حكم أبي جعفر المنصور فقد حدث نفس الشيء لمواطني المدينة في القرن العشرين والذين استُبعدوا من وسط المدينة بعد اثني عشر قرناً تحت حكم صدام حسين. لقد أصبحت منطقة "كرادة مريم" المحروسة بشكل مكثف والتي تقع إلى الجنوب قليلاً من المدينة الدائرية الأصلية على الضفة الغربية، المقر الرئيسي للنظام وآلة ضخمة تعمل بدقةٍ فائقة للترويع والسيطرة والقتل باستخدام العديد من المؤسسات الأمنية التي جعلت البلاد تفترس نفسها. 
أما تحت الاحتلال الأمريكي في عام 2003م فقد تحول قلب المدينة إلى المنطقة الخضراء المحصنة بشكل أكبر لتصبح أسوأ مكان بدرجة خيالية يغطي ستة أميال لا يرحب بالعراقيين في قلب عاصمة بلادهم.
أما الآن وبعد اثني عشر عاماً أصبحت المنطقة الخضراء مفتوحة للعراقيين مرةً أخرى. لكن وكما هو الحال في تاريخهم الدامي بشكل غير عادي لا يجد العراقيون الكثير ليستبشروا به في بلاد تتمزق. 
وتبقى مدينة بغداد العظيمة لكن أهلها يعودون مرةً أخرى ليغلفهم العنف المريع. 

 جاستين ماروزي مؤلف كتاب: "بغداد: مدينة السلام، مدينة الدم" وهو الكتاب الحائز على جائرة الجمعية الملكية للأدب في أيرلندا لعام 2015م